منتـدى طريــق النــَّجاح

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته


أهلاً و سهلاً و مرحبًا بمن أتانــَا ^_^،،
نتمنى لكـ قضاء وقتٍ طيّبٍ ومفيدٍ في أرجاء منتديات طريــق النــَّجاح،،
للحصول على كافّة الصّلاحيات والمشاركة معنا تفضّل بـالتسجيل،
أو تفضّل بالدخول إن كنتَ مسجّلاً..

~*¤ô§ô¤*~ ..نريدُ جيلاً يفلحُ الآفاقْ.. نريدُ جيلاً.. رائداً.. عملاقْ.. ~*¤ô§ô¤*~

الرَّوابـط منتهية الصَّلاحيَّة نظرا لانتهاء صلاحية بعض الرَّوابط الخاصة بحفظ ملفات مهمة للطلبة و التي يصعب علينا إيجادها إلا بواسطة الوافدين من أجلها، نطلب من كل عضو يجد رابطًا منتهي الصلاحية أن يبلِّغ الإدارة أو المشرف على القسم عن الموضوع الذي يحوي رابطًا تالفًا من أجل إعادة رفع الملفات و تعميم الفائدة على الجميع، وبارك الله فيكم..
حملـة تجديد الرَّوابـط بشرى إلى كل الطلبة الذين راسلونا بخصوص موضوع الأخت خولة دروس و تمارين في الكيمياء و الذي يحوي ملفات قيمة انتهت صلاحية روابطها، نـُعلمكم أنَّه تمَّ إعادة رفع الملفات و تجديد الرَّوابط، و فيما يخص بقيَّة المواضيع فالبحث عن ملفاتها جارٍ حاليا من أجل إعادة رفعها..  لكل استفساراتكم و اقتراحاتكم أو للتبليغ عن روابط أخرى نحن في الخدمة، وفـَّقكم الله إلى كلِّ الخيــر..
دعــاء اللهم احفظ إخواننا المسلمين في ليبيا و اليمن و مصر و تونس و سوريا و البحرين و سائر بلاد المسلمين و احقن دماءهم و آمنهم في أنفسهم و أموالهم، اللهم اشف مرضاهم و ارحم موتاهم و وحد كلمتهم و ول عليهم خيارهم... آمين يا رب العالمين.
اللغة العربية الرجاء من جميع الأعضاء الالتزام باللغة العربية الفصيحة أثناء التحاور في مختلف أركان المنتدى و ذلك حرصًا منا على السمو بلغتنا العربية لغة القرآن الكريم.
مقولات ‎بعـض الكلمات تستقر فِي القلوبِ كرؤوسِ الإبر، متى تـحركت.. أوْجعت أقصى مراحل النضج هي عندما تؤمن بأن لديك شيئًا تمنحه للعالم إن أنجح الطرق للوصول إلى التعاسة هو كتمانك إحساسك بالألم داخلك عندما يخبرك شخص ما بسر، فإنه يسلبك رد فعلك التلقائي تجاه شخص آخر يمكنك أن تتعلم من أخطاء الآخرين، لكنك لا تنضج إلا عندما ترتكب أخطاءك أنت إذا كنت تعيش في الماضي فإنك لست على قيد الحياة الآن الطريق للجنون هو أن تحاول إسعاد الجميع طوال الوقت امنح تقديرك، تفهمك، دعمك و حبك، ولكن من منطلق القوة. العطاء من منطلق ضعف هو مجرد نوع من التسول التردد و المماطلة و التأجيل أشبه ببطاقة ائتمان: لذيذ استعمالها إلى حين وصول الفاتورة  تعلَّم من النملة؛ فهي لا تبحث عن المداخل، بل تصنعها من يأبى اليوم قبول النصيحة التي لا تكلفه شيئا فسوف يضطر في الغد إلى شراء الأسف بأغلى سعر الوقت يداوي كل شيء؛ فقط أعطِ الوقت وقته الحجج الواهية لا تقنع أحداً، حتى ذلك الذي يتذرع بها لا يقاس النجاح بالموقع الذي يتبوأه المرء في حياته.. بقدر ما يقاس بالصعاب التي يتغلب عليها خيبة الأمل دليل على أن الأمل كان في غير محله في اليوم الذي لا تواجه فيه أية مشاكل، تأكد أنك في الطريق غير الصحيح يوجد دائماً من هو أشقى منك، فابتسم لعله من عجائب الحياة أنك إذا رفضت كل ما هو دون مستوى القمة فإنك دائما تصل إليها لكي تتفادى كل صور الإنتقادات: لا تفعل شيئا، و لا تقل شيئا، و كن لا شيء.

    العلامة عبد الحميد بن باديس.

    شاطر

    °ChOuMeiSsA°
    مديــر المنتـدى
    مديــر المنتـدى

    تاريخ التسجيل : 15/03/2008
    عـدد الرسائــل : 1081
    الجنس : انثى
    العمــل : طالب
    الهوايـة : المطالعة
    الموقـع :
    أوسمة العضو :

    العلامة عبد الحميد بن باديس.

    مُساهمة من طرف °ChOuMeiSsA° في 22.03.08 13:27



    الإمام العلامة عبد الحميد بن باديس رائد النهضة العلمية و الإصلاحية في الجزائر [1889 * 1940]


    *-------------*-------------------------------*-------------------------------*-------------*




    °ChOuMeiSsA°
    مديــر المنتـدى
    مديــر المنتـدى

    تاريخ التسجيل : 15/03/2008
    عـدد الرسائــل : 1081
    الجنس : انثى
    العمــل : طالب
    الهوايـة : المطالعة
    الموقـع :
    أوسمة العضو :

    رد: العلامة عبد الحميد بن باديس.

    مُساهمة من طرف °ChOuMeiSsA° في 22.03.08 13:30

    نشأته

    نشأ "عبد الحميد" في أحضان أسرة عريقة في العلم والجاه، وفي بيتها الكريم ترعرع معززا مكرما، لا ينقصه شيء من متاع الحياة الدنيا، وكان أبوه حريصا على أن يربيه تربية إسلامية خاصة؛ فلم يُدخله المدارس الفرنسية كبقية أبناء العائلات المشهورة، بل أرسل به للكتاب القرآني ككل الأطفال بالطريقة المألوفة المعروفة وهو في الخامسة من عمره، فحفظ القرآن وتجويده على يد الشيخ المقرئ محمد بن المدَّاسي وعمره لم يتجاوز الثالثة عشرة سنة، ونشأ منذ صباه في رحاب القرآن فشب على حبه والتخلُّق بأخلاقه. ولشدة إعجابه بجودة حفظه، وحسن سلوكه، قدمه ليصلي بالناس التراويح في رمضان بالجامع الكبير وعمره إحدى عشر سنة ليتعود على تحمل المسئولية، وقبله المصلون رغم صغر سنه وبقي يؤمهم ثلاثة أعوام. تلقى مبادئ العلوم العربية والإسلامية بجامع سيدي محمد النجار على مشائخ من أشهرهم العالم الجليل الشيخ "أحمد أبو حمدان الونيسي" ابتداء من عام 1903 الذي حبب إليه العلم، ووجهه الوجهة المثلى فيه، وهو من أوائل الشيوخ الذين لهم أثر طيب في اتجاهه الديني. و في سنة 1908 عزم أستاذه الشيخ "الونيسي" على الهجرة إلى المشرق العربي حين ذاق ذرعا بالحياة تحت وطأة الحكم الفرنسي الطاغي، و لشدة تعلق عبد الحميد بأستاذه قرر السفر معه أو اللحاق به مهاجرا في طلب العلم، غير أن آباه لم يوافقه على ذلك ووجهه إلى طلب العلم في تونس.
    حياته الزوجية

    تزوج الشيخ عبد الحميد بن باديس في سن مبكرة وهو لا يتجاوز الحادية عشرة من عمره حين تم عقد زواجه في 08 مارس 1901م بإحدى قريباته ابنة عمه "اليامنة بنت ابن باديس"، ولما بلغ الخامسة عشرة من عمره دخل بيت الزوجية في حدود 1904 م. أنجب عبد الحميد بن باديس من هذا الزواج المبكر ولدا سماه "إسماعيل"، ظل الابن يدرس عند أبيه "عبد الحميد" حتى حفظ القرآن وقبل أن يوجهه أبوه لطلب العلم، توفي في حادث مفاجئ ببندقية صيد في ضيعة جده إذ يقال إنه كان يتجوّل بالمزرعة شاهد أحد حراس المزرعة يعلق بندقيته المعبأة بالرصاص في جذع شجرة. فحملها إسماعيل بكل براءة وراح يلهو بها فخرجت رصاصة قاتلة استقرت بصدر الصغير، وذلك في 19 من رمضان عام 1337هـ الموافق لـ17 جوان 1919م . وهناك بالمدينة الكبيرة كان الشيخ عبد الحميد بن باديس يقدم دروسه لتلامذته داخل المسجد عندما تقدم منه أحد أصدقائه وأسرّ له الخبر المحزن، فأكمل الدرس حتى نهايته ثم انفرد في زاوية خاصة وراح يُذرف الدموع، وتكرر نفس المشهد عندما توفي شقيقه سليم، وكان حينها أيضا في حلقة تدريس. أما زوجته لم تستمر معه طيلة حياته حيث طلقها عندما طلبت أن تقيم وحدها بعيدا عن أسرة والده وكان هو يريد أن يبقيها ضمن أفراد عائلة أبيه حتى تتوفر لديه الحرية أكثر في الحركة والنشاط لأنه كان يقضي جل وقته في الدرس والخطابة والكتابة خارج البيت وبدخوله عالم الدعوة لم يعد يزور البيت إلا نادرا، مما أثار حفيظة الزوجة التي غادرت بيت أهل بن باديس، وعندما رجع ولم يجدها رفض رغم إلحاح والده الذهاب لإحضارها. وانتظر عدة أيام وعندما تأكد من عدم رجوعها للبيت لفظ كلمة الطلاق ورفض العودة عن قراره رغم محاولات أهل الزوجين وأكثر من ذلك رفض الزواج ثانية.


    *-------------*-------------------------------*-------------------------------*-------------*




    °ChOuMeiSsA°
    مديــر المنتـدى
    مديــر المنتـدى

    تاريخ التسجيل : 15/03/2008
    عـدد الرسائــل : 1081
    الجنس : انثى
    العمــل : طالب
    الهوايـة : المطالعة
    الموقـع :
    أوسمة العضو :

    رد: العلامة عبد الحميد بن باديس.

    مُساهمة من طرف °ChOuMeiSsA° في 22.03.08 13:34

    تعليمه بجامع الزيتونة

    نظرا لما كان يبدو على "عبد الحميد" من فطنة و نباهة وميل إلى الجد في فترة التعلم التي سبقت ذهابه إلى تونس حرس أبوه على إرساله إلى جامع الزيتونة ليكمل تعليمه ويوسع معارفه، فسافر إلى تونس في نفس العام الذي هاجر فيه أستاذه "الونيسي" (1908 م) إلى المشرق تاركا الزوجة والولد في كفالة والديه، وسنه إذ ذاك تسعة عشرة عاما. وبعد ثلاث سنوات من الجد والاجتهاد تحصل على شهادة التطويع (كما كانت تدعى حين ذاك) عام 1911 م وقد نجح في امتحان التخرج نجاحا باهرا، إذ حصل على الرتبة الأولى ضمن قائمة جميع الناجحين في تلك الدورة، و كان الطالب الجزائري الوحيد الذي تخرج في دفعة تلك السنة من الجامع المعمور وذلك بناء على وجوده في رأس قائمة الناجحين التي نشرتها جريدة "المشير" التونسية، وأقام أثناء دراسته بمدرسة "النخلة" الكائنة بنهج الكتيبة رقم 11 قرب جامع الزيتونة، وكان يسكن بها أحد شيوخه وهو المرحوم "سعد السطيفي" وبقي بعد التخرج سنة أخرى يُدرس ويَدرس على عادة المتخرجين في ذلك العهد.
    والملفت للانتباه أن نظام الدراسة في الزيتونة قبل السنة التي التحق فيها "عبد الحميد" (1908 م) أن المّدة التي يقضيها الطالب لنيل أعلى شهادة هي سبع سنوات، ولكن يسمح للطالب المتمكن – بعد إجراء امتحان له – أن يتجاوز سنوات ويوضع في الصف الذي يؤهله له هذا الامتحان، غير أنه في السنة التي سافر فيها "عبد الحميد" ألغي هذا النظام، فأدى ذلك إلى إثارة طلاب الزيتونة، فتراجعت إدارة الجامع عن المرسوم، وأجّلت تطبيقه إلى السنة الموالية مما أتاح لعبد الحميد فرصة الالتحاق بالسنة الخامسة – بعد أن أجري له امتحان – فلم يدرس في جامع الزيتونة إلا ثلاث سنوات نال بمقتضاها الشهادة والسنة الرابعة قضاها مدرسا.
    وهناك في تونس خلال المدة التي قضاها في التعلم تعرف على كبار العلماء، وأخذ عنهم الثقافة العربية الإسلامية وأساليب البحث في التاريخ والحياة الاجتماعية، من أمثال الشيوخ : محمد الطاهر بن عاشور شيخ الإسلام الذي درس عليه ديوان الحماسة للبحتري، والعلامة الصدر محمد النخلي القيرواني الذي درس عليه التفسير، والعلامة الخضر بن الحسين الطولقي الجزائري التونسي الذي تلقى عليه المنطق وقرأ عليه كتاب التهذيب فيه، ومحمد بلحسين النجار بن الشيخ المفتي محمد النجار والشيخ محمد الصادق النيفر قاضي الجماعة الذي أخذ على يده الفقه، والبشير صفر ألمع المؤرخين والمصلحين التونسيين في القرن العشرين، وكان لكل واحد من هؤلاء تأثير خاص في جانب من جوانب شخصية ابن باديس، وقد عرف ابن باديس أثناء دراسته في الزيتونة بالنشاط، وكان يتميز بحب الاطلاع الواسع، كما يبدو من خلال اتصالاته ببعض العلماء خارج الزيتونة حيث كان يحضر بعض الدروس غير المقررة في برنامج الزيتونة فهو يخبرنا إنه حضر على الشيخ "خضر بن الحسين" دروسه في تفسير البيضاوي في داره بباب منارة في تونس. فقد تأثر كثيرا ببعض المشايخ الذين وجد في آرائهم وأفكارهم وأساليب تعليمهم ما يلائم طبعه وتطلعه، و ميله إلى الاجتهاد واستعمال العقل، مثل الشيخ محمد النخلي القيرواني الذي كان دائما يذكره ويثني على منهجه في التدريس، كما تأثر ببعض الأفكار الإصلاحية التي بدأت تروج في تونس بعد زيارة محمد عبده لها.

    عودته من تونس

    عاد الشاب "عبد الحميد" إلى بلاده يحمل شهادة التطويع (العالمية) فاستقبله أبوه في محطة القطار كما يستقبل العلماء والأعيان، كان مغتبطا أشد الاغتباط بنجاحه وبعودته، ولما انتهيا إلى المنزل صاح الأب بأم البنين آن لك أن تزغردي يا أم عبد الحميد فقد عاد ابنك عالما ليرفع من قيمة عائلته وأمته، ويزيدهما مجدا وشرفا، فأطلقتها الأم زغرودة عالية دوت أصداؤها في أرجاء البيت الفسيح، وقد أثر هذا الاستقبال في "عبد الحميد" أيما تأثير، فقد ظل يذكره بكثير من الاعتزاز... فقد حدث طلابه ذات يوم (في أواسط الثلاثينات) عن ذلك الاستقبال... واستشهد على ذلك بشواهد منها تقدير أبيه له، وفرحة أمه والزغرودة التي عبرت بها عن هذه الفرحة والتي كانت تعبيرا صادقا عن فرحة العائلة، " إن تلك الزغرودة التي قابلتني بها أمي يوم عدت من تونس ما تزال ترن في أذني، ولن أنساها ما حييت".
    بعد ذلك بدأ "عبد الحميد" نشاطه بالتفرغ للتعليم المسجدي في الجامع الكبير بقسنطينة، فباشر بعقد حلقات دراسية مثل التي شهدها في تونس وإلقاء دروس لبعض الطلبة من كتاب "الشفاء" للقاضي عياض، أما العامة فكان يقدم لهم دروسا في الوعظ والإرشاد، غير أن مدّة تعليمه في الجامع الكبير لم تظل، لأن مفتى المدينة الشيخ "المولد بن الموهوب" الإمام الخطيب بهذا الجامع، منعه من مواصلة التدريس، بحجة أنه لا يملك إذنا بذلك، والحقيقة أن الشاب عبد الحميد رُخِّص له في ذلك، فقد اتصل والده بوالي عمالة قسنطينة، وسعى له في الحصول على إذن بالتدريس في الجامع الكبير، فأذن له ولكنه إذن شفوي، ولما شرع الشاب في التدريس اعتبر الشيخ بن الموهوب هذا العمل اعتداء على سلطته، لأنه لم يُستشر في ذلك، واعتبره تدخلا سافرا فيما هو من اختصاصه، لأن والد الشاب حتى وان كان نائبا ساميا في عدة دوائر انتخابية ومالية على مستوى البلدية والعمالة والوطن، وله مكانته، إلا أنه رجل سياسة لا دخل له في أمور الدين، هذا الأمر أثار حساسية ابن الموهوب، ومن هنا بدأت المواجهة بينه وبين المعلم الشاب، الذي لم يكن هدفه سوى نشر المعرفة وخدمة بلاده، فكانت دروسه ثورة على البدع والخرافات ونبذ العصبيات مما حرك عقول الناس وكان عاملا على تنبيههم من حالة الاحتلال والجهل، فسعى الشيخ المفتي في منع المدرس الشاب من التدريس بل تمادى، فكلف المفتي من يشوش عليه، ويطفئ المصابيح وقت الدرس، ولكن الشاب عبد الحميد لم يستسلم، وكلف طلابه أن يحضروا الشموع ليدرسوا تحت ضوئها، وقابل المفتي عناد هذا الشاب المدرس بتصرف آخر، فأمر أحد اتباعه "الحاج القريشي" بالتصدي له ومنعه، فجاء وأطبق دفتي الكتاب أمام المدرس عبد الحميد، وأطفأ الشموع، وكادت تقع فتنة بينه وبين الطلاب، داخل المسجد ولكن المعلم المؤدب أخمد الفتنة وهدّأ طلابه، فصرفهم وأمرهم بترك الجامع والدرس. تأثر الفتى عبد الحميد لمعاملة مفتي المدينة وحامي حمى الإسلام فيها، ولم تمضِ سوى مدة قصيرة حتى عزم على أداء فريضة الحج، ففاتح أباه في الموضع وأبدى رغبته في الذهاب إلى البقاع المقدسة لأداء مناسك الحج، فقبل والده ووافقه، وهيأ له الأسباب التي تمكنه من تحقيق هذه الرغبة.



    *-------------*-------------------------------*-------------------------------*-------------*




    °ChOuMeiSsA°
    مديــر المنتـدى
    مديــر المنتـدى

    تاريخ التسجيل : 15/03/2008
    عـدد الرسائــل : 1081
    الجنس : انثى
    العمــل : طالب
    الهوايـة : المطالعة
    الموقـع :
    أوسمة العضو :

    رد: العلامة عبد الحميد بن باديس.

    مُساهمة من طرف °ChOuMeiSsA° في 22.03.08 13:37

    رحلته إلى الحجاز و بعض العواصم العربية

    منّ اللَّه على عبد الحميد أداء فريضة الحج عام 1331هـ = سبتمبر 1913م. وبعد أداء مناسك الحج والعمرة زار المدينة المنورة وأقام بها، وفي أثناء إقامته بها لقي أستاذه الأول الذي درس عليه في قسنطينة "الشيخ الونيسي" الذي هاجر إلى المدينة المنورة وأقام بها، وتعرف على بعض العلماء ومن رفقاء أستاذه مثل : الشيخ حسين أحمد الفيض أبادي الهندي، والشيخ الوزير التونسي، وألقى بحضورهم درسا في الحرم النبوي الشريف، فأعجبوا به إعجابا شديدا مما لفت الأنظار إليه. وفي هذه الأثناء أبدى رغبته في البقاء بالمدينة إلى جوار أستاذه (الونيسي) فرحب الأستاذ بهذه الفكرة ورغبه فيها، لما يعرف من أوضاع بلده. لكن الشيخ حسين أحمد الهندي لم يوافقه على ذلك، بل نصحه بضرورة العودة إلى وطنه لخدمة بلاده ومحاولة إنقاذها مما هي فيه، بما توسم فيه من حزم وعزم وصلاح، فاقتنع الشاب عبد الحميد بوجهة نظر هذا الشيخ، وقبل نصيحته وقرر الرجوع إلى الوطن، عند ذاك حذره أستاذه "الونيسي" من أن يكون عبدا للوظيفة، لأنه تأكد أن الحكومة ستعرض عليه الوظائف، قال له "أحذر أن تقبل الوظيفة الحكومية، فهي قيد لك، يحدّ من نشاطك... وأخذ عليه عهدا أن لا يقبل الوظيفة، ولا الوظيفة، ولا يتخذ علمه سلما للأغراض المادية والأطماع الدنيوية، فعاهده تلميذه على ذلك، ووفى بهذا العهد" .
    وقد حرص "عبد الحميد" في هذه الرحلة على الاتصال بالمفكرين والعلماء للتحاور معهم والاطلاع على أحوال المسلمين ومقارنتها بأحوال بلاده، ودفعه هذا الاتصال إلى التفاعل مع الحركة الإصلاحية التي انتشرت على يد الإمام محمد عبده و تلميذه رشيد رضا، متأثرين بزعيم المصلحين جمال الدين الأفغاني وبالحركة السلفية التي انتشرت في الحجاز، وخلال الفترة التي قضاها في المدينة المنورة تعرف إلى شاب جزائري في مثل سنه عالم وأديب، هو الشيخ "محمد البشير الإبراهيمي" المقيم مع والديه في المدينة، أقام معه مدة تعارفا فيها وتحاورا معا في شأن الخطة الإصلاحية التي يجب أن تضبط لعلاج الأوضاع المتردية في الجزائر، واتفقا على خدمة بلادهما متى عادا إليها . وقد ذكر الشيخ البشير الإبراهيمي أنهما لم يفترقا طيلة الأشهر الثلاثة التي قضاها ابن باديس بالمدينة، فكانا يقضيان الليل كله يحللان أوضاع الجزائر، ويحددان شروط ووسائل نهضتها". ولم يكن أيّ منهما يدري أن هذا اللقاء الذي تم خارج الوطن ستكون له ثمار طيبة وسيصبح هذا العالم الشاب المهاجر إلى المدينة رفيق دربه في الكفاح و النضال بعد الرجوع إلى الوطن في العشرينات. وفي طريق عودته من الحجاز عرّج على الشام (دمشق وبيروت) وزار المسجد الأقصى وتوقف بمصر ولقي في الإسكندرية كبير علمائها الشيخ أبا الفضل الجيزاوي الذي أصبح من بعد شيخا للأزهر، فتعارفا وتذاكرا وأجازه، وفي القاهرة لقي مفتي الديار المصرية الشيخ "محمد بخيث المطيعي" رفيق محمد عبده، والمدافع عن فكرته بعد وفاته، وكان الشاب عبد الحميد يحمل للشيخ رسالة من أستاذه الونيسي فأحسن استقباله، ودعاه إلى زيارته في منزله بحلوان القريبة من القاهرة. وبعد تعرف الشيخ على الشاب جيدا أجازه هو أيضا. هكذا استطاع أن يلم بأطراف من العالم العربي، ليعرف ما فيه، زيادة عما كان يعرفه في الجزائر وتونس.
    العودة للوطن والشروع في الإصلاح

    آمن ابن باديس بأن العمل الأول لمقاومة الاحتلال الفرنسي هو التعليم، وهي الدعوة التي حمل لواءها الشيخ محمد عبده، في مطلع القرن الرابع عشر الهجري، وأذاعها في تونس والجزائر خلال زيارته لهما سنة (1321هـ= 1903م)، فعمل ابن باديس على نشر التعليم، والعودة بالإسلام إلى منابعه الأولى، ومقاومة الزيف والخرافات، ومحاربة الفرق الصوفية الضالة التي عاونت المستعمر.
    وبمجرد أن عاد إلى بلده شرع على الفور في تنفيذ خطوات المشروع المتكامل الذي كان قد بدأه قبل سفره إلى الحجاز والذي يرتكز على العمل الإصلاحي من خلال نشر التعليم وتربية الأجيال، وحتى لا يتكرر ما حدث بينه وبين الشيخ ابن الموهوب، استصدر له أبوه رخصة رسمية من والي عمالة قسنطينة تسمح له بأن يدرس بالمجّان في (الجامع الأخضر) أحد المساجد الثلاثة الجامعة في المدينة التي تشرف عليها الحكومة.
    وهكذا بدأ التدريس هذه المرة وفي يديه إذن قانوني، يخوّل له ذلك، فنظّم دروسا لعامة الناس، وأخرى خاصة بالطلبة الوافدين يلقى بعضها في الجامع الأخضر وبعضها في مسجد سيدي قموش، لا يتقاضى على عمله من الحكومة ولا غيرها أجرا. وكان من دروسه العامة تفسير القرآن، ظل يلقيه حتى انتهى منه بعد خمسة وعشرين عامًا، فاحتفلت الجزائر بختمه في 13 من ربيع الثاني 1357هـ/ 12 جوان 1938م. والحديث النبوي الشريف من الموطأ حتى ختمه في أواسط ربيع الثاني عام 1358هـ /جوان 1939م).. أما الدروس الموجهة للطلبة فتختلف حسب مستوى كل طبقة، ويركز فيها على العلوم الدينية واللغوية والتاريخ الإسلامي والتوحيد والمنطق وغير ذلك من العلوم التي تدخل في تكوين الطالب.
    ويُعدّ الجانب التعليمي والتربوي من أبرز مساهمات ابن باديس التي لم تقتصر على الكبار، بل شملت الصغار الذي بلغوا سن التعلم، ولم يجدوا مكانا لهم في المدارس الحكومية، أو الذين يدرسون في هذه المدارس ولكنهم بحاجة إلى تعلم لغتهم ومعرفة دينهم وتاريخهم، فأسس سنة 1926 م أول نواة للتعليم الابتدائي الحر "مكتب" (مرادف للفظة الكتّاب) أي مدرسة، رفقة جماعة من الفضلاء السيد العربي والسيد عمر بن مغسولة، حيث اشتريا مسجد سيدي بومعزة، والبناء المتصل به، وكان فوق بيت الصلاة محل للسكنى بالكراء فأزالاه عن ذلك، وأبقياه محلا فارغا، فجعل محل "المكتب"، وأطلق عليه اسم "المكتب العربي"، وأسند إدارته إلى أحد طلاب "ابن باديس" الأوائل هو الشيخ "مبارك الميلي" بعد تخرجه من جامع الزيتونة، ثم انتقل إلى بناية الجمعية الخيرية الإسلامية التي تأسست سنة 1336هـ/1917م لاتساعها... وفي سنة 1349هـ/1930 م ثم تطوّر المكتب إلى مدرسة جمعية التربية والتعليم الإسلامية، وتكونت هذه الجمعية من عشرة أعضاء برئاسة الشيخ عبد الحميد بن باديس. وقد هدفت الجمعية إلى نشر الأخلاق الفاضلة، والمعارف الدينية والعربية، والصنائع اليدوية بين أبناء المسلمين وبناتهم، ويجدر بالذكر أن قانون الجمعية نصّ على أن يدفع القادرون من البنين مصروفات التعليم، في حين يتعلم البنات كلهن مجانًا.
    وكوّن ابن باديس لجنة للطلبة من أعضاء جمعية التربية والتعليم الإسلامية، للعناية بالطلبة ومراقبة سيرهم، والإشراف على الصندوق المالي المخصص لإعانتهم، ودعا الجزائريين إلى تأسيس مثل هذه الجمعية، أو تأسيس فروع لها في أنحاء الجزائر. وقد اثرت هذه الجهود التي انطلقت في مجال التعليم المدرسي الحّر بقسنطينة في بعض الجهات الأخرى فقام المخلصون فيها بإنشاء مدارس للتعليم القومي في تلك الفترة ومن اشهر هذه المدارس التي أدت دورا مهما (مدرسة الشبيبة الإسلامية بمدينة الجزائر) من عام 1927 إلى أن استولت عليها الإدارة الاستعمارية، وحثّ ابن باديس الجزائريين على تعليم المرأة، وإنقاذها مما هي فيه من الجهل، وتكوينها على أساسٍ من العفة وحسن التدبير، والشفقة على الأولاد، فقد خصها بدروس في مدرسة التربية والتعليم مرّة في الأسبوع طيلة خمس سنوات الأخيرة من حياته، كما قام بترغيب زملائه العلماء أن يقوموا بمثل ذلك في مدنهم وقراهم، فساروا على نهجه. ولما امتلأت المدارس بالبنات، وأتممن تعلمهن بالمرحلة الابتدائية، هيأ لهن الشيخ ابن باديس الطريق إلى المشرق العربي وبالضبط إلى سوريا سنة 1939 م ليتممن تعليمهن الثانوي والعالي بمدرسة "دوحة الأدب" لكن لم يكتب لهذه الخطوة النجاح بسبب اندلاع الحرب العالمية الثانية صيف هذه السنة، ثم عاجلت المنية، فتعطل المشروع تماما. أما البنين فقد قسموا إلى أربع طبقات حسب مستوياتهم، والذين ينهون دراستهم عنده يوجه القادرين منهم لإتمام دراستهم في تونس بجامع الزيتونة، وكان من طلائع طلابه النبغاء : مبارك الميلي والسعيد الزاهري، والهادي السنوسي، ومحمد بن العابد والسعيد الزموشي، وابن عتيق، والفضيل الورتلاني، وآخرون كثيرون منهم من اكتفى بما تعلمه عليه، ومنهم من واصل دراسته في الزيتونة حتى شهادة التطويع.
    لم يكتفي "عبد الحميد بن باديس" بالدروس التي كان يقدمها أو يشرف عليها، بل كان يقوم في العطلة الصيفية، وفي أيام الراحة الأسبوعية بجولات استطلاعية في القطر يتعرف فيها على أحوال البلاد والعباد، ويلقى الدروس في المساجد، وحيثما تيسر له، ويعلن عن نشاطه التربوي، وعن الدروس العلمية التي يتلقاها الطلبة في قسنطينة حتى يبين الفائدة المرجوة منها لمن يشاء الالتحاق بها، ويطلب من شيوخ الزوايا الذين يحضرون دروسه ومحاضراته أن يرسلوا أبناءهم وطلابهم للتعلم عليه في قسنطينة، هكذا وبهذا الأسلوب الإعلامي تنامى عدد طلابه من مختلف جهات الوطن، وخاصة عمالة قسنطينة، وأصبحوا يفدون على الجامع الأخضر، وعلى دروس الشيخ في مختلف المواد. كما شارك ابن باديس في محاولة إصلاح التعليم في جامع الزيتونة بتونس، وبعث بمقترحاته إلى لجنة وضع مناهج الإصلاح التي شكّلها حاكم تونس سنة (1350 هـ/1931م)، وتضمن اقتراحه خلاصة آرائه في التربية والتعليم، فشمل المواد التي يجب أن يدرسها الملتحق بالجامع، من اللغة والأدب، والعقيدة، والفقه وأصوله، والتفسير، والحديث، والأخلاق، والتاريخ، والجغرافيا، ومبادئ الطبيعة والفلك، والهندسة، وجعل الدراسة في الزيتونة تتم على مرحلتين: الأولى تسمى قسم المشاركة، وتستغرق الدراسة فيه ثماني سنوات، وقسم التخصص ومدته سنتان، ويضم ثلاثة أفرع: فرع للقضاء والفتوى، وفرع للخطاب والوعظ، وفرع لتخريج الأساتذة.


    *-------------*-------------------------------*-------------------------------*-------------*




    °ChOuMeiSsA°
    مديــر المنتـدى
    مديــر المنتـدى

    تاريخ التسجيل : 15/03/2008
    عـدد الرسائــل : 1081
    الجنس : انثى
    العمــل : طالب
    الهوايـة : المطالعة
    الموقـع :
    أوسمة العضو :

    رد: العلامة عبد الحميد بن باديس.

    مُساهمة من طرف °ChOuMeiSsA° في 22.03.08 13:43

    محاولة اغتيال ابن باديس

    كانت الحملات (في الصحافة الإصلاحية وخاصة في الشهاب) متوالية على الخرافات والأباطيل، وعلى المبتدعة و المضللين، واشترك في الكتابة فحول العلماء والمفكرين في الجزائر وتونس والمغرب وكان من أشدهم عنفا على الطريقة العليوية وشيخها المتهم بالحلول ووحدة الوجود، كاتب يمضي مقالاته باسم (بيضاوي) فحاول العليويين معرفة هذا الكاتب، ولكن إدارة الشهاب أبت الكشف عنه، كما كان الشيخ ابن باديس قد ألف رسالة علمية يرد فيها على الشيخ ابن عليوة لسوء أدبه مع النبي (صلى الله عليه وسلم) وعلى بعض شطحاته الحلولية المنافية للعقيدة الإسلامية، ولأهمية هذه الرسالة قرضها أهم كبار علماء الجزائر وتونس والمغرب.
    وهكذا تحرك غيض العلويين، فقرروا الفتك بابن باديس فعقدوا اجتماعا في مستغانم واتفقوا فيه أن يغتالوا الشيخ المصلح، وأرسلوا من ينفذ هذه الخطة، وفي قسنطينة شرع هذا الشخص الموفد مع بعض مساعديه يترصدون الشيخ لمعرفة مسكنه وتحركاته وأوقاته، وفي يوم 9 جمادى الثانية 1341 هـ الموافق ليوم 14/12 / 1926 م عندما كان عائد إلى بيته في منتصف الليل بعد انتهائه من دروسه في المسجد، أقدم الجاني على تنفيذ محاولته الآثمة، ولما دنا منه هوى عليه بهراوة وأصابه بضربتين على رأسه وصدعه، فشج رأسه وأدماه، لكن الشيخ أمسك به ونادى النجدة بضربتين وحاول المجرم أن يسل خنجرا من نوع (البوسعادي) ليجهز على الشيخ، و لكن الله نجاه، بفضل جماعة النجدة التي قبضت عليه، وأرادت الفتك به، فمنعهم الشيخ، عند ذلك ساقوه إلى الشرطة فأوقفته وفتشته فوجدت عنده سبحة وتذكرة ذهاب وإياب بتاريخ ذلك اليوم، (من مستغانم إلى قسنطينة) زيادة عن الموسى والعصا، فأودعته السجن ثم قدمته للمحاكمة فنال جزاءه، وصدر في شأنه الحكم بخمس سنوات سجنا. رغم أن ابن باديس عفا عنه في المحكمة قائلا : إن الرجل غرر به، لا يعرفني و لا أعرفه، فلا عداوة بيني و بينه، أطلقوا سراحه، ولكن الزبير بن باديس المحامي (شقيق الشيخ المعتدي عليه) قام باسم العائلة يدافع عن شرفها، ويطالب بحقها في تنفيذ الحكم قائلا : إن أخي بفعل الصدمة لم يعد يعي ما يقول إلى غير ذلك مما جرى في المحاكمة.
    وفي هذه الحادثة أنشد محمد العيد آل خليفة قصيدة منها:

    حَمتْك يَدُ المَوْلَى و كُنْتَ بِهَا أولَى فيَالكَ مِنْ شَيخَ حَمََتْهُ يَدُ المَـوْلَى
    فَيَا لو ضِيع النّفْسِ كَيفَ تَطاولتْ بِهِ نَفْسُه حتَّى أسرّ لَكَ القَـتـلاَ
    فَوَافَتكَ بالنَّصْر العَزِيزِ طَـلائـعٌ مُبَاركةٌ تَتْرى من الْـمـلأ الأعْلَى
    وإنْ أنْسَ لا أنْسَى الذينَ تَظَافَرُوا عَلى الفَتْكِ بالجَاني فقلتَ لَهُم مَهْلاَ

    وهذه الأبيات كما نرى تشتمل على غرضين أدبيين وهما : المدح و الهجاء، مدح ابن باديس، وهجاء المجرم الذي حاول اغتياله ومن هذه الحادثة نلمس مدى تسامح ابن باديس وعفوه عند المقدرة، والعفو عند المقدرة من شيم الكرام.

    وفاته

    لقد عاش الشيخ عبد الحميد بن باديس للفكرة والمبدأ ومات وهو يهتف (فإذا هلكت فصيحتي تحيا الجزائر والعرب) لم يحد عن فكرته ومبدئه قيد أنملة حتى آخر رمق من حياته، ولم يبال بصحته الضعيفة التي تدهورة كثيرا في السنتين الأخيرة من حياته، هذا هو ابن باديس الذي عرفته الجزائر عالما عاملا, وفقيها مجتهدا, ومربِّيا مخلصا, ومصلحا, وسياسيا, وإماما كان يقضي بياض نهاره وسواد ليله في خدمة دينه ولغته وبلاده. هذا هو الرجل الذي كان قلب الجزائر النابض, وروحها الوثابة وضميرها اليقظ, وفكرها المتبصر, ولسانها المبين, لم يضعف أمام هجمات الاستعمار المتتالية, ولم يستسلم لمناوراته وتهديداته, ولا للإغراءات والمساومات, بل بقي ثابتا على مبادئه صامدا حتى آخر حياته.
    مساء يوم الثلاثاء 8 ربيع الأول سنة 1359 هـ ، الموافق 16 أبريل 1940م، على الساعة الثانية والنصف بعد الزوال أسلم ابن باديس روحه الطاهرة لبارئها، متأثرًا بمرضه بمسقط رأسه مدينة قسنطينة، وكان محاطا بوالده وشقيقه الأكبر (الزبير) والطبيب الفرنسي القادم من العاصمة "ليفي فالونزي" وابن خاله الطبيب القسنطيني الشهير "بن جلول", وقد مات رحمه الله ولم تكن في رأسه شعرة بيضاء واحدة.
    ولما أعلن البرّاح في الناس خبر وفاته اهتزّت أوجاع تلاميذه ومساعديه في مهنة التعليم والمتاعب, وعندما شاع خبر وفاته في الجزائر بكاه أبناء الوطن بكاءا حارا كما بكاه عارفوه، ومقدرو علمه، وجهاده، في سبيل الجزائر والإسلام، والعروبة، في كل من المغرب وتونس وليبيا، والمشرق العربي والعالم الإسلامي.
    وقد شيعت جنازته في اليوم التالي لوفاته الموافق عصر يوم الأربعاء 9 ربيع الأول سنة 1359 هـ ، الموافق 17 أبريل 1940م، وحمل جثمانه إلى مثواه الأخير طلبة الجامع الأخضر دون غيرهم وسط جموع غفيرة ما يزيد عن مائة ألف نسمة، جاءوا من كافة أنحاء القطر الجزائري لتوديعه الوداع الأخير، في حين كان عدد سكان قسنطينة آنذاك لا يتجاوز 50 ألف نسمة. وقد تولى أداء الصلاة على جنازته الشيخ العربي التبسي, كما تولى تأبينه كل من الشيخ مبارك الميلي والعربي التبسي والدكتور محمد الصالح بن جلول يجدر، ودفن في مقبرة آل باديس الخاصة في مدينة قسنطينة رغم وصيته التي أوصى فيها بدفنه في مقبرة شعبية عامة.
    وقد تركت وفاة الشيخ عبد الحميد بن باديس فراغا كبيرا في صفوف الحركة الوطنية، وفي رجال الإصلاح الإسلامي في الجزائر وغيرها، وبين جماهير الشعب التي كانت تعتبره الزعيم المخلص، والوطني الغيور على دينه، ولغته، وشعبه، ووطنه، وعلى الإسلام والعروبة، بصفة خاصة وقد قال الشيخ الشهيد العربي بن بلقاسم التبسي في تأبينه في المقبرة ما يلي : "لقد كان الشيخ عبد الحميد بن باديس في جهاده وأعماله، هو الجزائر كلها فلنتجتهد الجزائر بعد وفاته أن تكون هي الشيخ عبد الحميد بن باديس".
    هذا وحامت الأقاويل حول موته، فمن قائل مات مسموماً كما زعمت إذاعة ألمانيا "هنا برلين" يوم 09 ماي 1940 م على لسان "تقي الدين الهلالي" : "أن السلطات الفرنسية في الجزائر هي المسؤولة على وفاته، وقد ذكرت أنه مات مسموما على أيدي الفرنسيين، كما فعلوا بمعظم العلماء، الذين ما يزال بعضهم يعاني في ظلمات السجون، وأن الطغاة الفرنسيين أرادوا تسميمه، وقد قتلوا جميع الزعماء من قبله والشعب الجزائري اليوم يطالب لفديته، وسينتقم له عاجلا أو آجلا" وربما هذا ما يفسر اختفاء الشيخ العربي التبسي ووفاة الشيخ الميلي والطيب بأمراض مجهولة.
    ومن قائل أنه مات بسبب مرض، فيقول الشيخ محمد البشير الإبراهيمي : "بعد استقراري في المنفى بأسبوع تلقيت الخبر بموت الشيخ عبد الحميد بن باديس – رحمه الله – بداره في قسنطينة بسرطان في الأمعاء كان يحس به وسنوات ويمنعه انهماكه في التعليم وخدمة الشعب من التفكير فيه وعلاجه... وكنت بدأت نذر الحرب تظهر وغيومها تتلبد أجتمع بالشيخ أبن باديس في داري بتلمسان فقررنا ماذا نصنع إذا قامت الحرب، وقررنا من يخلفنا إذا قبض علينا، قلّبنا وجوه الرأي في الاحتمالات كلها، وقدرنا لكل حالة حكمها، وكتبنا بكل ما اتفقنا عليه نسختين، ولكن كانت الأقدار من وراء تدبيرنا، فقبضه الله إليه".
    كما أشار ابن جلول وهو من بين المأبنين البارزين للشيخ ابن باديس وابن خاله إلى مرض ابن باديس الذي ظل مجهولا حتى عند أقرب الناس إليه فيقول :"وبحكم مهنتي كطبيب تشرفت ببذل المعالجة له خلال مرضه الأخير, الذي قضى عليه ولم يرض بالتوجه إلي ومنحي ثقته لمعالجته إلا بعد أن فطنا له مرهق منذ عهد بعيد, وأن مشيه من مكتبه إلى الجمعية, إلى الجامع الأخضر قد أصبح مضنيا بالنسبة إليه, وقد بذلت ما في وسعي لكسب ثقته, وبذل الشفاء له, ويا أسفاه فالمرض قد كان يمخر جسمه شيئا فشيئا".
    ويقول ابن جلول : أن ابن باديس بلغ منه التعب والإرهاق مبلغا جعله في آخر أيامه لا يقوى على تجاوز مسافة تقدر بمئتي متر على قدميه نظرا لتمكن المرض من جسمه النحيف المتهالك, فكان مرقده إلى جوار حجرة دروسه ولما أنهكه العيي, وهو الذي قاومه خمسين سنة, أذن لطلابه لأول مرة في حياته منحهم خمسة عشر يوما كعطلة بمناسبة المولد النبوي بعدما عرف عنه أنه لم يكن يقبل بأكثر من ثلاثة أيام كتوقف عن التحصيل, ولما أظهر طلابه المتعلقون به تعجبهم من هذا التسريح الذي يدوم نصف شهر, أجابهم بلغة يائسة وألم يمزق أحشاءه وحسرة تعتصر قلبه :"إنني متهالك... إنني مريض للغاية فاعذروني" فلم يعلن رجل كابن باديس أنه انهار فمعنى ذلك أن في الأمر ما يدفع إلى التساؤل عن كيفية الرعاية التي كان يحظى بها في مدينة قسنطينة وأعني بذلك الرعاية الصحية والغذائية والنفسية.
    ومن قائل أنه مات موتة طبيعية، وهو ما يؤكده الأستاذ عبد الحق أخو الشيخ بن باديس : " كان ابن باديس نحيف الجسم، ولم يكن يُعطي لنفسه قسطا من الراحة، فيومه يبدأ مع صلاة الصبح، ولا ينتهي إلا في ساعة متأخرة من الليل، وهذا لمدة 25 سنة قضاها بأيامها ولياليها في التدريس والتفسير، وإلقاء المحاضرات ودروس الوعظ والإرشاد، والكتابة في الصحافة، وإدارة الأعمال الإدارية وكثرة السفر حيث كان يستقل قطار (قسنطينة – الجزائر) كل مساء أربعاء ليعود مساء كل جمعة, وزادت حصصه التدريسية اليومية لترتفع إلى ثلاث حصص في اليوم.. ومع أنه لم يكن يعاني من أي مرض حتى أنه لم يلبس في حياته نظارات طبية ولم يشتكي من تسوس أسنانه إلا أنه رقد في فراش المرض في 14 أفريل 1940 وعلى مدى ثلاثة أيام لم يستطع مغادرة فراشه فكان يقوم بتمريضه "من ضعفه وشحوبه" والده وشقيقته "بتول" طوال النهار ويتولى "عبد الحق" السهر معه ليلا، فالإرهاق والتعب والزهد في الحياة، وثقل المسئولية التي كانت يشعر بها تجاه الأمة الجزائرية هي السبب المباشر لوفاته عندما حان وقت تسليم الروح إلى خالقها".
    ولا يعلم الحقيقة إلا الله - وذلك شأن الناس عند موت كل عظيم.

    وصف حي لشاهد معاصر لجنازة الشيخ عبد الحميد بن باديس

    يعتبر الشيخ أحمد بوشمال بمثابة الساعد الأيمن للشيخ عبد الحميد بن باديس في حركته الإصلاحية (1913 – 1940)، وأمين سره، إلى جانب ذلك فهو مدير مطبعة الشهاب المسمات المطبعة الجزائرية الإسلامية بقسنطينة. وقد بعث الشيخ أحمد بوشمال، الرسالة التالية إلى الشيخ أحمد بن بوزيد قصبة، أحد رجالات الحركة الإصلاحية في مدينة لغواط وضواحيها، من جنوب جزائرنا الشاسع الأطراف. وموضوع الرسالة المذكورة هو وصف حي لوفاة رائد النهضة الإسلامية العربية في الجزائر المعاصرة، وتاريخ وفاته، والجماهير الغفيرة التي سارت في جنازته، إلى المقبرة، والتي قدرتها الرسالة فيما بين خمسين وسبيعن ألف مواطن ومواطنة.ثم أشار إلى أن وفاة الشيخ عبد الحميد بن باديس تعتبر مصيبة جلى، وداهية عظمى على الأمة الجزائرية، وفيما يلي نص الرسالة المذكورة (نقلا عن جريدة الشروق اليومي عدد 654 ليوم 23/12/2002).


    *-------------*-------------------------------*-------------------------------*-------------*




    °ChOuMeiSsA°
    مديــر المنتـدى
    مديــر المنتـدى

    تاريخ التسجيل : 15/03/2008
    عـدد الرسائــل : 1081
    الجنس : انثى
    العمــل : طالب
    الهوايـة : المطالعة
    الموقـع :
    أوسمة العضو :

    رد: العلامة عبد الحميد بن باديس.

    مُساهمة من طرف °ChOuMeiSsA° في 24.03.08 12:43










    *-------------*-------------------------------*-------------------------------*-------------*




    تـــــــسنيم
    نـائـب الـمـديـر
    نـائـب الـمـديـر

    تاريخ التسجيل : 19/03/2008
    عـدد الرسائــل : 165
    الجنس : انثى
    العمــل : طالب
    الهوايـة : الكتابة
    الموقـع :

    رد: العلامة عبد الحميد بن باديس.

    مُساهمة من طرف تـــــــسنيم في 24.03.08 20:31

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


    شكرا أختي شميسة و أنار الله دربك و جزاك الله خيرا
    العلامة عبد الحميد بن باديس رمز العلم والكفاح.
    و كما جاء في النص وصف رائع له "كان قلب الجزائر النابض"
    و انا ازيد على ذلك و أقول كانت الجزائر قلبه فقد عاش لوطنه وعلمه وأمته....
    رحمك الله يا ابن باديس و اسكنك فسيح جنانه.

    °ChOuMeiSsA°
    مديــر المنتـدى
    مديــر المنتـدى

    تاريخ التسجيل : 15/03/2008
    عـدد الرسائــل : 1081
    الجنس : انثى
    العمــل : طالب
    الهوايـة : المطالعة
    الموقـع :
    أوسمة العضو :

    رد: العلامة عبد الحميد بن باديس.

    مُساهمة من طرف °ChOuMeiSsA° في 25.03.08 12:23

    و عليكم السلام و رحمة الله تعالى و بركاته

    العفو أختي تسنيم، هذا أقل ما يمكننا فعله لأمثال هذا البطل الذي عاش و مات من أجل الجزائر
    شكرا جزيلا لك على المرور الكريم و الرد الطيب
    جزاك الله كل الخير




    *-------------*-------------------------------*-------------------------------*-------------*




    °ChOuMeiSsA°
    مديــر المنتـدى
    مديــر المنتـدى

    تاريخ التسجيل : 15/03/2008
    عـدد الرسائــل : 1081
    الجنس : انثى
    العمــل : طالب
    الهوايـة : المطالعة
    الموقـع :
    أوسمة العضو :

    رد: العلامة عبد الحميد بن باديس.

    مُساهمة من طرف °ChOuMeiSsA° في 25.03.08 12:28

    للعلم إخوتي و للأمانة العلمية فإن هذه المعلومات منقولة عن موقع الإمام عبد الحميد بن باديس:
    [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]


    *-------------*-------------------------------*-------------------------------*-------------*




    سلسبيل
    مـشـــرف
    مـشـــرف

    تاريخ التسجيل : 28/03/2008
    عـدد الرسائــل : 624
    الجنس : انثى
    العمــل : طالب
    الهوايـة : الرسم
    الموقـع :

    رد: العلامة عبد الحميد بن باديس.

    مُساهمة من طرف سلسبيل في 29.03.08 18:42

    بسم الله الرحمن الرحيم

    السلام عليكم و رحمة الله وبركاته

    احسنت يا شميسة موضوع متميز بارك الله فيك و جزاك خيرا

    أتمنى أن أرى مواضيع مثل هذه شكرا لكheyyyla

    °ChOuMeiSsA°
    مديــر المنتـدى
    مديــر المنتـدى

    تاريخ التسجيل : 15/03/2008
    عـدد الرسائــل : 1081
    الجنس : انثى
    العمــل : طالب
    الهوايـة : المطالعة
    الموقـع :
    أوسمة العضو :

    رد: العلامة عبد الحميد بن باديس.

    مُساهمة من طرف °ChOuMeiSsA° في 17.04.08 15:50

    و عليكم السلام و رحمة الله تعالى و بركاته

    يسعدني تشجيعك لي كثيرا، و لا أملك سوى أن أقول لك شكرا جزيلا لك..
    بارك الله فيك و جزاك كل الخير و أثابك الجنة..


      الوقت/التاريخ الآن هو 03.12.16 9:40